أحمد بن محمد مسكويه الرازي
92
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
فيجرب على الأبدان ويهلك النفوس ؛ والنجار الذي يأخذ القدوم « 1 » فلا يزال ينحت الخشب حتى يملأ حانوته من الحطب ثم لا يبقى له موضع فيه فيخرج هو وامرأته وولده إلى الشمس في الهاجرة وأيام الصيف ، وإلى البرد والرياح والأمطار في الشتاء ؛ والمفتى في الدين وهو لا يعرف الفقه ولا يقتبس العلم من موضعه . ثلاثة ينبغي لهم أن يتأنوا ويثبتوا ويقدموا بعد تؤدة : الذي يرقى في الجبل الشاهق ، والذي يهم بالأمر الجسيم من الدنيا ، والذي يميز الحق من الباطل ليفتقد الصواب ويعمل به . ثلاثة يتمنون ما لا يجدون ولا يقدرون عليه أبدا : العاصي المصرّ على الخطايا ويتمنى الجنة ؛ والرجل [ 43 ا ] الحقود يتمنى أن يظفر بجميع من يعادى فلا يبقى منهم أحدا ؛ ومتمنى الخلود والبقاء في دار الفناء « 2 » . ثلاثة يجنون على أنفسهم ويؤلمون أبدانهم : الذي يأتي القتال بغير جنة فيقذف نفسه بين الصفوف ويقول : لن يصيبني إلا ما قضى علىّ - فلا يخلو من ضربة أو طعنة أو رمية ، وربما قتل ؛ والرجل الموسر الذي لا ولد له ولا حميم فيقتر على نفسه ، وربما قتل لماله ، وإن عاش عاش في ضر وبؤس ؛ والشيخ الكبير الفاني ينكح المرأة الجميلة فلا تزال تسبه وتتمتع بكل شاب أجمل من الآخر وربما سعت في هلاكه « 3 » . أربعة هم الذين يستخفون بأنفسهم ويحقرونها : الذي يهذى ويعرف بالفرفرة « 4 » ويتكلم بما لا يسأل عنه ويقول بما لا يعلم ويبادر بالكلام على ما خطر بقلبه ؛ والذي يتسلط على الناس من غير معونة لهم ؛ والغلام الذي يغلظ القول لصاحبه ويرد عليه « 5 » الصواب ؛ والذي يدخل على القوم المتخلين لمهمّ من غير استئذان عليهم « 6 » .
--> ( 1 ) آلة للنجر والنحت ، قال ابن السكيت : ولا يشدّد ، وقال الزمحشرى : التشديد لغة فيه . ( 2 ) ف : دار الدنيا . ( 3 ) ف : اهلاكه . ( 4 ) الفرفرة : التخليط والكثرة في الكلام ؛ الطيش والخفة ؛ العجلة . ( 5 ) عليه : ناقصة في ف . ( 6 ) عليهم : ناقصة في ط .